Print this page

 انتخابات ''الكنيست''على وقع إغلاق الضفة الغربية المحتلة..  الفلسطينيون في مواجهة الحصار وسياسات الاحتلال

تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي تشديد إجراءاتها

العسكرية في مدن وبلدات الضفة الغربية المحتلة، عبر إغلاق الطرق والمعابر ونصب الحواجز والبوابات العسكرية، في سياسة تضاعف معاناة الفلسطينيين وتضيّق الخناق على تفاصيل حياتهم اليومية، من العمل والتنقل إلى الوصول إلى الأراضي والخدمات الأساسية. وتتزامن هذه الإجراءات مع انتخابات الكنيست الإسرائيلية، في مشهد يعكس استمرار إخضاع الحياة الفلسطينية لمنظومة واسعة من القيود العسكرية التي لا تتوقف عند حدود الحركة، بل تمتد إلى مصادر الرزق والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

هذا وتشن سلطات الاحتلال منذ يومين عملية عسكرية واسعة في مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية هجّرت خلالها -حتى الآن- أكثر من 2800 فلسطينيا من منازلهم، وحاصرت آخرين داخل بلداتهم ومناطقهم، وشلت حركة المدينة اقتصاديا. ولليوم الثاني على التوالي، تعيش مدينة الخليل على وقع الصدمة من إجراءات العقاب الجماعي التي اتخذتها سلطات الاحتلال، وطالت نحو 900 ألف مواطن، بينهم 250 ألفا من سكان المدينة.

وبينما تنشغل الساحة الإسرائيلية بالانتخابات وحساباتها الداخلية، يواجه الفلسطينيون واقعا ميدانيا تتزايد فيه العوائق أمام حركتهم، وتتعاظم فيه الأعباء المعيشية، وسط استمرار الاحتلال وسياساته الرامية إلى إحكام السيطرة على الأرض. ويرى مراقبون أن تزامن الانتخابات مع تصعيد إجراءات الإغلاق يعيد تسليط الضوء على الثمن الذي يدفعه الفلسطينيون نتيجة السياسات الإسرائيلية، في وقت تتواصل فيه محاولاتهم للصمود في أرضهم والحفاظ على مقومات حياتهم رغم الضغوط المتراكمة.

الحواجز سلاح لتضييق الحياة الفلسطينية

لم تعد الحواجز العسكرية والبوابات الحديدية في الضفة الغربية مجرد نقاط عبور تخضع لإجراءات أمنية، بل أصبحت جزءا من واقع يومي يفرض على الفلسطينيين قيودا متشعبة، ويحوّل التنقل بين المدن والقرى إلى رحلة محفوفة بالتأخير والمخاطر والتكاليف الإضافية. فمن خلال إغلاق المداخل والتحكم في الطرق الرئيسية، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام عراقيل تمس حقهم في الحركة والعمل والوصول إلى أراضيهم، وتضاعف معاناتهم في ظل واقع الاحتلال.

وبحسب المعطيات المنشورة، منعت إسرائيل نحو 115 ألف عامل فلسطيني من الوصول إلى أماكن عملهم منذ أكتوبر 2023، بالتزامن مع ارتفاع معدل البطالة من نحو 13% إلى أكثر من 30% خلال عام واحد. وتكشف هذه الأرقام حجم الضربة التي تعرض لها سوق العمل الفلسطيني، بعدما حُرمت آلاف الأسر من مصدر دخلها الأساسي، وأصبح تأمين الاحتياجات اليومية تحديا متزايدا في ظل تراجع فرص العمل وارتفاع الأعباء المعيشية.

ويرى مراقبون أن منع العمال الفلسطينيين من الوصول إلى أماكن عملهم يتجاوز انعكاساته الاقتصادية المباشرة، ليشكل ضغطا إضافيا على المجتمع الفلسطيني، الذي يواجه تداعيات الحرب والقيود المفروضة على الحركة وتراجع النشاط التجاري. كما أن استمرار هذه الإجراءات يضعف قدرة المؤسسات الاقتصادية المحلية على توفير فرص بديلة، ويعمّق حالة الهشاشة التي تعيشها قطاعات واسعة من السكان.

وفي هذا السياق، تتواصل القيود على المعابر والطرق الحيوية، بما فيها معبر جبار في محيط طولكرم، حيث أشار مراسل الجزيرة ليث جعار إلى إجراءات تعرقل تنقل الفلسطينيين، في حين يواجه فلسطينيون من الداخل قيودا على العودة من الخليل عبر المعبر نفسه، ما يضطرهم إلى سلوك طرق بديلة أكثر صعوبة.

ويؤكد خبراء في الشأن الفلسطيني أن التحكم في المعابر والطرق يشكل أحد أبرز مظاهر السيطرة على الحياة اليومية تحت الاحتلال، إذ لا تقتصر نتائجه على تعطيل الحركة، بل تمتد إلى عرقلة وصول المزارعين إلى أراضيهم، وتأخير انتقال المرضى، وإرباك الأنشطة التجارية والتعليمية. وبذلك تتحول القيود العسكرية إلى عبء مستمر يتحمله السكان، بينما تتراجع قدرتهم على ممارسة حياتهم بصورة طبيعية.

الخليل ونابلس وطولكرم.. حصار يفاقم معاناة السكان

تتصاعد مظاهر التضييق في عدد من مدن الضفة الغربية المحتلة، وفي مقدمتها الخليل، التي شهدت إغلاق مداخلها ومخارجها، وسط تقارير عن نزوح أكثر من 2600 فلسطيني، وفق المعطيات المنسوبة إلى بلدية المدينة. ويضيف هذا التطور بعدا إنسانيا إلى مشهد الإغلاقات، إذ يجد السكان أنفسهم أمام قيود لا تعرقل تنقلهم فحسب، بل تهدد استقرارهم وتضعهم أمام خيارات معيشية صعبة.

وفي نابلس، تتواصل القيود على مداخل المدينة والطرق المؤدية إلى القرى والبلدات المحيطة بها، بينما تؤدي البوابات العسكرية المغلقة إلى عزل تجمعات فلسطينية عن محيطها، وتزيد من صعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية ومصادر العمل والخدمات الأساسية.وتشير المعطيات إلى وجود أكثر من 950 بوابة عسكرية في الضفة الغربية، في امتداد لشبكة من الحواجز والعوائق التي تقيد حركة الفلسطينيين. ويرى مراقبون أن هذا الواقع يعمّق تجزئة الجغرافيا الفلسطينية، ويجعل التواصل بين المدن والقرى رهنا بالإجراءات العسكرية الإسرائيلية، بما ينعكس على الحياة الاقتصادية والاجتماعية ويزيد من معاناة السكان.

ولا تقتصر آثار هذه القيود على الخسائر المادية، بل تمتد إلى جوانب الحياة اليومية، حيث يضطر الطلبة والعمال والمرضى إلى تغيير مساراتهم أو تأجيل تنقلاتهم، فيما تواجه الأنشطة التجارية صعوبات متزايدة بسبب تأخر وصول البضائع والعمال. وفي المناطق الزراعية، يؤدي منع الوصول إلى الأراضي أو صعوبة بلوغها إلى تهديد مصادر رزق العائلات التي تعتمد على الزراعة.

ورغم هذه الظروف، يواصل الفلسطينيون التمسك بأرضهم ومحاولة الحفاظ على استمرارية حياتهم ومصادر رزقهم، في مواجهة واقع تتزايد فيه القيود وتتراجع فيه مساحة الحركة المتاحة لهم. ويعكس هذا التمسك، في نظر متابعين، أهمية الصمود المجتمعي في الحد من آثار الإجراءات العسكرية، وإن كانت قدرات السكان تبقى محدودة أمام استمرار الإغلاقات واتساع نطاقها.

تهجير الفلسطينيين ومنع العودة..

تتخذ الإجراءات الإسرائيلية أبعادا أكثر خطورة عندما تتجاوز إغلاق الطرق إلى إخلاء المناطق السكنية ومنع السكان من العودة إليها. ففي جانفي وفيفري 2025، أدت العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى إخلاء مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، مع منع سكان من العودة إلى منازلهم، وفق المعطيات الواردة.

وتحمل هذه الإجراءات آثارا تتجاوز النزوح المؤقت، إذ يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام خسارة منازلهم ومحيطهم الاجتماعي ومصادر رزقهم، فضلا عن الأعباء الناجمة عن البحث عن مساكن بديلة وتأمين الاحتياجات الأساسية. كما يؤدي منع العودة إلى إطالة أمد المعاناة، ويزيد من صعوبة استعادة الحياة الطبيعية حتى بعد تراجع العمليات العسكرية.

وقد وثقت الأمم المتحدة، بحسب التسلسل الزمني المشار إليه، 925 عائقا أمام حركة الفلسطينيين بحلول ديسمبر 2025، في حصيلة وُصفت بأنها الأعلى منذ عقدين. وتكشف هذه الأرقام اتساع القيود المفروضة على الحركة في الضفة الغربية، وما تتركه من آثار على ترابط التجمعات السكانية وقدرة الفلسطينيين على الوصول إلى أراضيهم وأعمالهم.

ويرى مراقبون أن الجمع بين الحواجز والإغلاقات والعمليات العسكرية ومنع العودة يضاعف الضغوط على الفلسطينيين، ويضع قدرتهم على الاستقرار في مواجهة تحديات متزايدة. وفي المقابل، يتمسك السكان بحقهم في البقاء على أرضهم والعودة إلى منازلهم، باعتبار ذلك جزءا أساسيا من الحفاظ على وجودهم الاجتماعي والوطني.

انتخابات ''الكنيست'' ومعاناة الفلسطينيين

تأتي الإغلاقات الأخيرة بالتزامن مع انتخابات الكنيست الإسرائيلية المقررة اليوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، بعدما منعت قوات الاحتلال، يومي 25 و26 أكتوبر، العمال الفلسطينيين من دخول المستوطنات في الضفة الغربية والأغوار، باستثناء المناطق الصناعية، وفق المعطيات الواردة. كما أشارت المعلومات إلى احتمال توسيع نطاق المنع ليشمل المناطق الصناعية وإغلاق المعابر بالتزامن مع الانتخابات.

ويعيد هذا التزامن طرح التساؤلات بشأن العلاقة بين الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية والحسابات السياسية الداخلية، خصوصا في ظل استمرار القيود التي يتحمل الفلسطينيون تبعاتها الاقتصادية والإنسانية. وبينما تتنافس القوى السياسية الإسرائيلية على الأصوات والبرامج والمواقف، تبقى حياة الفلسطينيين خاضعة لإجراءات عسكرية تؤثر في حركتهم وعملهم واستقرارهم.

ولا يثبت تزامن الإغلاقات مع الانتخابات وحده وجود ارتباط مباشر بين الإجراءات العسكرية والمنافسة الانتخابية، غير أن اتساع القيود وتكرارها في مناسبات مختلفة يسلطان الضوء على أثر السياسات الإسرائيلية في الواقع الفلسطيني. ويرى مراقبون أن معالجة هذا الملف تستدعي التمييز بين المبررات الأمنية المعلنة والنتائج الفعلية على الأرض، ولا سيما عندما تشمل الإجراءات العمال والمرضى والطلبة والتجار وسائر فئات المجتمع.

كما أن استمرار الإغلاقات يضع الاقتصاد الفلسطيني أمام تحديات إضافية، من خلال تعطيل حركة العمال والبضائع وتراجع النشاط التجاري وزيادة تكاليف النقل، فيما تتحمل الأسر الفلسطينية قسطا كبيرا من هذه التداعيات. ويؤكد خبراء أن تكرار هذه الإجراءات يحد من فرص التعافي الاقتصادي، ويعمق الاعتماد على مصادر دخل غير مستقرة، في ظل غياب ضمانات تسمح بعودة الحركة إلى طبيعتها.

الصمود الفلسطيني في مواجهة سياسة الإغلاق

تكشف التطورات الميدانية في الضفة الغربية المحتلة أن الحصار لا يُقاس بعدد الحواجز والبوابات المغلقة وحدها، بل بما يتركه من آثار على حياة الفلسطينيين وحقوقهم ومصادر رزقهم. فمن الخليل إلى نابلس وطولكرم وجنين، تتداخل القيود العسكرية مع الأزمات الاقتصادية والإنسانية، لتضع السكان أمام واقع يزداد صعوبة مع استمرار الإغلاقات وتقييد الحركة.

وفي مواجهة هذا الواقع، يواصل الفلسطينيون السعي إلى حماية مقومات حياتهم والحفاظ على ارتباطهم بأرضهم ومنازلهم وأعمالهم، رغم ما يفرضه الاحتلال من عراقيل. ويظل الصمود اليومي، بما يتضمنه من التمسك بالأرض ومواصلة العمل ومحاولة الحفاظ على استقرار الأسر، أحد أبرز ملامح المشهد الفلسطيني في ظل القيود المتصاعدة.

المشاركة في هذا المقال